ابن المقفع

133

آثار ابن المقفع

نفسا خائفة وحقن دما مهدورا « 1 » ؟ وقد أمنته ولست بغادر به ولا خافر « 2 » له ذمة . قال الغراب : إني لأعرف ما يقول الملك ، ولكن النفس الواحدة يفتدى بها أهل البيت ، وأهل البيت تفتدى بهم القبيلة ، والقبيلة يفتدى بها أهل المصر ، وأهل المصر فدى الملك . وقد نزلت بالملك الحاجة وأنا أجعل له من ذمته مخرجا على ألا يتكلف الملك ذلك ولا يليه « 3 » بنفسه ولا يأمر به أحدا ، ولكنا نحتال بحيلة لنا وله فيها صلاح وظفر . فسكت الأسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب . فلما عرف الغراب إقرار الأسد أتى صاحبيه فقال لهما : قد كلمت الأسد في أكله الجمل على أن نجتمع نحن والجمل عند الأسد فنذكر ما أصابه ونتوجع له اهتماما منا بأمره وحرصا على صلاحه ، ويعرض كل واحد منا نفسه عليه تجملا ليأكله ، فيرد الآخران عليه ويسفهان رأيه ويبينان الضرر في أكله . فإذا جاءت نوبة الجمل صوبنا رأيه فهلك وسلمنا كلنا ورضي الأسد عنا . ففعلوا ذلك وتقدموا إلى الأسد . فقال الغراب : قد احتجت ، أيها الملك إلى ما يقوتك ، ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك فإنا بك نعيش ، فإذا هلكت فليس لأحد منا بقاء بعدك ، ولا لنا في الحياة من خيرة « 4 » ، فليأكلني الملك فقد طبت بذلك نفسا . فأجابه الذئب وابن آوى : أن اسكت ، فلا خير للملك في أكلك وليس فيك شبع . قال ابن آوى : لكن أنا أشبع الملك فيأكلني ، فقد رضيت بذلك وطبت نفسا ، فرد عليه الذئب والغراب بقولهما : إنك لمنتن قذر .

--> ( 1 ) مهدورا : مسفوكا بالباطل . ( 2 ) خافر : ناقض . ( 3 ) يليه : يقال ولي الأمر يليه بمعنى يتولاه . ( 4 ) خيرة : الاسم من اختار الشيء ، أي من رغبة .